الحلبي

507

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه : والعذر له في ذلك أنه رضي اللّه عنه تأوّل أن للأنصار في الخلافة استحقاقا فبنى على ذلك ، وهو معذور ، وإن لم يكن ما اعتقده من ذلك حقا هذا كلامه . ولا ينافيه ما جاء عن عمر رضي اللّه عنه : وثبنا على سعد بن عبادة . فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة : أي فعلتم معه من الإعراض والإذلال ما يقتله ، فقلت : قتل اللّه سعد بن عبادة ، فإنه صاحب فتنة ، نعم ينافيه ما حكاه ابن عبد البر أن سعد بن عبادة رضي اللّه عنه أبى أن يبايع أبا بكر حتى لقي اللّه . قال بعضهم : ويضعفه ما جاء في بعض الروايات أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما قال لسعد : لقد علمت يا سعد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال وأنت قاعد : « قريش ولاة هذا الأمر » ، قال له سعد : صدقت ، نحن الوزراء وأنتم الأمراء ، وبه يظهر التوقف فيما تقدم عن ابن حجر رحمه اللّه هذا . وفي كلام سبط ابن الجوزي رحمه اللّه : فأنكروا على سعد أمره ، وكادوا يطؤون سعدا فقال ناس من أصحابه : اتقوا سعدا لا تطئوه ، فقال عمر رضي اللّه عنه : اقتلوا سعدا قتله اللّه ، ثم قام عمر رضي اللّه عنه على رأس سعد وقال : قد هممت أن أطأك حتى تنذر عيونك ، فأخذ قيس بن سعد رضي اللّه عنهما بلحية عمر رضي اللّه عنه وقال : واللّه لو خفضت منه شعرة ما رجعت وفيك جارحة ، فقال أبو بكر : مهلا يا عمر ، الرفق الرفق ، ما هنا أبلغ ، فقال عاد أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما إلى محلهما أرسلا له بايع فقد بايع الناس ، فقال : لا واللّه حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل ، وأخضب من دمائكم سنان رمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يداي . واللّه لو اجتمع لكم الجن والإنس لما بايعتكم . فلما عاد الرسول وأخبرهم بما قال ، قال له عمر : لا ندعه حتى يبايع ، فقال له قيس بن سعد : دعه فقد لح فاتركوه ، فتركوه ، وكان سعد رضي اللّه عنه لا يحضر معهم ، ولا يصلي في المسجد ، ولا يسلم على من لقي منهم ، فلم يزل مجانبا لهم حتى إذا كان بعرفة يقف ناحية عنهم ، فلما ولي عمر رضي اللّه عنه الخلافة لقيه في بعض طرق المدينة ، فقال له : إيه يا سعد فقال له : إيه يا عمر ، فقال له عمر : أنت صاحب المقالة ، قال نعم أنا ذاك ، وقد أفضى اللّه إليك هذا الأمر ، كان واللّه صاحبك خيرا لنا ، وأحب إلينا من جوارك ، وقد أصبحت كارها لجوارك ، فقال له عمر رضي اللّه عنه : إنه من كره جوار جاره تحول عنه ، فقال له سعد : إني متحول إلى جوار من هو خير من جوارك ، فخرج رضي اللّه عنه إلى الشام واستمر بها إلى أن مات في السنة الخامسة عشر من الهجرة . وذكر الطبري رحمه أن سعدا رضي اللّه عنه بايع مكرها ، وهو وهم ، هذا كلام سبط ابن الجوزي رحمه اللّه .